جلال الدين السيوطي

625

الإتقان في علوم القرآن

سيبويه في كتابه : كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهمّ وهم ببيانه أعنى . قال : هذه الحكمة إجمالية ، وأما تفاصيل أسباب التقديم وأسراره ، فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع : الأول : التبرّك : كتقديم اسم اللّه تعالى في الأمور ذات الشأن ، ومنه قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ الأنفال : 41 ] الآية . الثاني : التعظيم : كقوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [ النساء : 69 ] . إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ [ الأحزاب : 56 ] . وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] . الثالث : التشريف : كتقديم الذكر على الأنثى ، نحو : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ . . . [ الأحزاب : 35 ] الآية ، والحرّ في قوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [ البقرة : 178 ] والحيّ في قوله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [ الأنعام : 95 ] الآية . وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [ فاطر : 22 ] . والخيل في قوله : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [ النحل : 8 ] . والسمع في قوله : وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ [ البقرة : 7 ] . وقوله : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ [ الإسراء : 36 ] . وقوله : إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ [ الأنعام : 46 ] . حكى ابن عطية عن النّقاش : أنه استدلّ بها على تفضيل السمع على البصر ، ولذا وقع في وصفه تعالى : سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ الحج : 61 ] . بتقديم ( السميع ) . ومن ذلك : تقديمه صلّى اللّه عليه وسلّم على نوح ومن معه في قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] الآية . وتقديم الرسول في قوله : مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [ الحج : 52 ] . وتقديم المهاجرين في قوله : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [ التوبة : 100 ] . وتقديم الإنس على الجنّ حيث ذكرا في القرآن . وتقديم النبيّين ، ثمّ الصّدّيقين ، ثم الشهداء ، ثمّ الصالحين في آية النساء . وتقديم إسماعيل على إسحاق ، لأنه أشرف ، بكون النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من ولده وأسنّ . وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام ، وقدّم هارون عليه في سورة طه رعاية للفاصلة .